الاستعمال الآمن للإنترنت في عصر الذكاء الاصطناعي: من مواجهة الأخبار الزائفة إلى بناء فضاء رقمي آمن
تزايدت الحاجة إلى ترسيخ ثقافة الاستعمال الآمن للإنترنت مع الانتشار السريع للذكاء الاصطناعي وتضاعف مخاطر الأخبار الزائفة والتضليل الرقمي، ما يجعل الحملة الوطنية التاسعة حول الاستعمال الآمن للإنترنت في المغرب مبادرة استراتيجية لحماية المتعلمين والمتعلمات والمجتمع.
1. سياق الحملة الوطنية التاسعة وأهميتها
تهدف الحملة الوطنية التاسعة حول الاستعمال الآمن للإنترنت، المنطلِقة يوم 10 فبراير 2026 بالمؤسسات التعليمية المغربية، إلى مواكبة اليوم العالمي لإنترنت أكثر أمناً، الذي يحتفى به عالمياً في التاريخ نفسه. ويأتي اختيار الشعار: «معاً لمواجهة الأخبار الزائفة في عصر الذكاء الاصطناعي وبناء إنترنت أكثر أماناً» انسجاماً مع التركيز الدولي لسنة 2026 على الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي تحت ثيمات من قبيل «التقنيات الذكية، اختيارات آمنة».
تندرج هذه الحملة ضمن مجهود وطني أوسع لتعزيز الأمن السيبراني والثقة الرقمية، حيث تشدد الاستراتيجيات المغربية في المجال على التوعية الجماعية، وحماية البيانات، وترسيخ ممارسات رقمية مسؤولة لدى المواطنين، ولا سيما الفئة المدرسية. وفي هذا الإطار، تنخرط مؤسسات تعليمية مثل م م إرزي والمديريات الإقليمية في تنظيم أنشطة توعوية وتربوية تراهن على إشراك التلاميذ والأسر والفاعلين التربويين.
2. الذكاء الاصطناعي وتحول البيئة الرقمية
يشكل الذكاء الاصطناعي اليوم إحدى الركائز الأساسية للتحول الرقمي في المدرسة والمجتمع، إذ تُستخدم تطبيقاته في المساعدة على التعلم، وتخصيص المحتوى، وتحليل المعطيات التعليمية. غير أن هذه التقنية تفتح في المقابل مجالات جديدة للمخاطر، مثل إنتاج محتوى زائف آلياً، وتوليد صور وفيديوهات مفبركة (Deepfakes)، وتخصيص رسائل مضلِّلة تستهدف فئات محددة بدقة عالية.
تشير وثائق تربوية وتحليلية إلى أن المدرسة المغربية تتحرك في سياق التحول نحو التعليم الرقمي الهجين، ما يفرض تطوير كفايات رقمية لدى المدرسين والمتعلمين، ودمج أدوات الذكاء الاصطناعي في العملية التعليمية بشكل مسؤول وأخلاقي. ويتطلب ذلك بنية تحتية رقمية ملائمة، ومناهج رقمية ذات جودة، وبرامج تكوين مستمرة في الثقافة الرقمية والأمن السيبراني.
3. الأخبار الزائفة في عصر الذكاء الاصطناعي
أصبحت الأخبار الزائفة والمحتويات المضلِّلة أحد أبرز التحديات في الفضاء الرقمي، خاصة مع قدرة الذكاء الاصطناعي على توليد نصوص وصور وفيديوهات مقنعة يصعب على المتلقي العادي التمييز بينها وبين المحتوى الحقيقي. ويؤكد خبراء الإعلام أن تدفّق الأخبار المضللة مع الخوارزميات وأنظمة التوصية يجعل التنبؤ بالتضليل والاستجابة له أكثر تعقيداً، مما يستدعي تعميق مهارات التفكير النقدي والتربية الإعلامية لدى الناشئة.
في السياق المغربي، اختارت الحملة الوطنية لسنة 2026 التركيز صراحة على مواجهة الأخبار الزائفة، بما يعكس إدراكاً متزايداً لخطر التضليل الرقمي على الأمن المجتمعي والثقة في المؤسسات. ويتطلب الحد من تأثير هذه الأخبار نشر ثقافة التحقق من المصادر، وتشجيع التلاميذ على استخدام أدوات التحقق، وتعليمهم قراءة السياقات والتمييز بين المعطيات الموثوقة وغير الموثوقة.
4. أهداف الحملة الوطنية التاسعة حول الاستعمال الآمن للإنترنت
تروم الحملة الوطنية التاسعة تحقيق مجموعة من الأهداف التربوية والاستراتيجية، من أبرزها:
-
توعية التلاميذ بمخاطر الاستعمال غير الآمن للإنترنت، بما يشمل العنف الرقمي، والابتزاز، والتنمر، والاستغلال، إضافة إلى التضليل المعلوماتي.
تقوية كفايات التربية الإعلامية والرقمية، وتمكين الناشئة من مهارات التحليل والنقد والتدقيق قبل مشاركة أو إعادة نشر المحتوى.
-
ترسيخ ثقافة الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي، عبر إبراز حدوده الأخلاقية والقانونية، والتمييز بين الاستخدام المساعد في التعلم والاستخدام الغشّاش أو غير الشرعي.
-
الإسهام في تعزيز الأمن السيبراني المجتمعي، من خلال بناء وعي جماعي بمخاطر الفضاء الرقمي، ونشر ممارسات حماية الحسابات والبيانات الشخصية.
كما تستهدف الحملة إشراك الأسر، المدرسين، وجمعيات المجتمع المدني في بناء جبهة تربوية مشتركة ضد العنف الرقمي والأخبار الزائفة، بما يضمن تواصلاً مستمراً بين المدرسة والبيئة الاجتماعية للتلميذ.
5. محاور التربية الرقمية في المؤسسات التعليمية
تستند التربية الرقمية في المؤسسات التعليمية المغربية إلى عدد من المحاور العملية التي يمكن تحويلها إلى أنشطة صفية ولاصفية، من بينها:
-
محور الوعي بالمخاطر الرقمية: يتناول أشكال التهديدات الإلكترونية مثل الاختراق، الاحتيال، التحرش، والابتزاز، مع تقديم حالات واقعية مبسطة للتلاميذ.
-
محور حماية المعطيات الشخصية: يركز على أهمية كلمات المرور القوية، وعدم مشاركة المعلومات الحساسة، وفهم سياسات الخصوصية في المنصات الرقمية.
-
محور التربية على المواطنة الرقمية: يعالج أخلاقيات التواصل، احترام الآخر، نبذ خطاب الكراهية، واحترام حقوق الملكية الفكرية.
-
محور التربية الإعلامية: يعلّم كيفية التحقق من الأخبار، قراءة مصادرها، فهم العناوين الجاذبة، والتعرف على مؤشرات الأخبار الزائفة.
-
محور الذكاء الاصطناعي في التعلم: يوضح للتلاميذ ماهية الذكاء الاصطناعي، كيف يعمل، كيف يمكن أن يساعد في الدراسة، وما هي حدود استخدامه المقبولة تربوياً.
هذه المحاور يمكن أن تُترجم إلى وحدات بيداغوجية أو أسابيع تحسيسية، مع إدماجها التدريجي في المواد الدراسية كاللغة العربية، التربية الإسلامية، الاجتماعيات، والعلوم، ضمن مقاربات بينية.
6. الوسائل البيداغوجية: الورشات التوعوية والعروض التحسيسية
يشير الإعلان الخاص بم م إرزي بجماعة زكموزن مديرية تارودانت بجهة سوس ماسة إلى الاعتماد على ورشات توعوية وعروض تحسيسية كأدوات رئيسية لتنزيل الحملة على مستوى المؤسسة. وتُعد الورشات فضاءً تفاعلياً يسمح للتلاميذ بمناقشة تجاربهم الرقمية، وتحليل مواقف واقعية، واكتساب مهارات عملية لحماية أنفسهم على الإنترنت.
أما العروض التحسيسية فتتيح تقديم مضامين مركزة من قبل الأطر التربوية(أساتذة وأستاذات)، وتشمل عروضاً رقمية، أفلاماً قصيرة، شهادات حية، أو حصصاً تواصلية مع الأسر. ومن الممارسات الجيدة في هذا الإطار:
- تنظيم مسابقات في إنتاج ملصقات رقمية حول السلامة الرقمية.
- عروض مسرحية مدرسية عن مخاطر الأخبار الزائفة.
- أو حصص محاكاة لكيفية التحقق من خبر متداول على الشبكات الاجتماعية.
7. دور الأسرة والمجتمع المدني في تعزيز الاستعمال الآمن
لا تكتمل نجاعة أي حملة مدرسية دون إشراك الأسرة باعتبارها الفضاء الأول لاستخدام الأطفال للإنترنت، إلى جانب جمعيات المجتمع المدني المهتمة بالتربية والإعلام والحقوق الرقمية. وتوضح تجارب وطنية في مجال الوقاية من العنف الرقمي أن الحملات الناجحة هي التي تعمل على تقوية قدرات الآباء والأمهات في مراقبة الاستعمال الرقمي وتوجيهه، بدون قطيعة أو منع مطلق، بل عبر الحوار والضبط التشاركي.
كما يمكن للجمعيات أن تسهم في تنظيم قوافل رقمية، ورشات ميدانية، وبرامج تكوين موجَّهة للتلاميذ والآباء والمدرسين، بما يدعم جهود الوزارة في توطين ثقافة الأمن السيبراني على المستوى المحلي والجهوي. ويتيح هذا الانفتاح على الفاعلين غير المدرسيين خلق شبكة مجتمعية للحماية الرقمية، تتقاسم الموارد والخبرات وتوسع أثر الحملة خارج أسوار المؤسسة.
8. الضوابط الأخلاقية والقانونية لاستخدام الذكاء الاصطناعي
يتطلب الاستخدام الآمن والمسؤول للذكاء الاصطناعي التزام مجموعة من الضوابط الأخلاقية والقانونية، لا سيما في الوسط المدرسي، حيث يكون التلاميذ والتلميذات أكثر هشاشة أمام التأثيرات الرقمية. وتشمل هذه الضوابط: تجنب استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في الغش الدراسي، احترام الخصوصية وعدم إدخال بيانات شخصية حساسة في المنصات، وعدم إنتاج أو مشاركة محتويات مسيئة أو زائفة باستعمال هذه الأدوات.
كما تُشدد النقاشات الدولية حول «اليوم العالمي لإنترنت أكثر أماناً 2026» على ضرورة تمكين الأطفال والشباب من فهم متى يكون الذكاء الاصطناعي مفيداً، ومتى يمكن أن يصبح مصدر خطر أو تلاعب، وكيف يمكن اتخاذ «اختيارات آمنة» عند التعامل مع تقنيات ذكية. ويرتبط ذلك بترسيخ ثقافة المساءلة الرقمية لدى المتعلمين، وتعويدهم على طرح أسئلة نقدية حول مصادر المحتوى وطرق إنتاجه وأهدافه.
9. نحو إنترنت أكثر أماناً: رؤية تربوية مستقبلية
يرتبط بناء إنترنت أكثر أماناً برؤية تربوية بعيدة المدى تجعل التربية الرقمية جزءاً بنيوياً من مشروع المدرسة، لا مجرد حملات ظرفية مرتبطة بمناسبات محددة. وتستدعي هذه الرؤية إدماج مضامين السلامة الرقمية والأمن السيبراني في المناهج، وتحديث تكوين المدرسين، وتطوير شراكات مع الهيئات الحكومية والقطاع الخاص المعنيين بتحسين البنية التحتية والخدمات الرقمية.
وفي هذا الأفق، فالحملة الوطنية التاسعة حول الاستعمال الآمن للإنترنت تشكل رافعة عملية لترسيخ تقاليد جديدة في التعامل مع التكنولوجيا، تقوم على الوعي، النقد، المسؤولية، والمواطنة الرقمية الفاعلة، خاصة لدى الناشئة. فبقدر ما يمنح الذكاء الاصطناعي إمكانات كبيرة في التعليم والحياة اليومية، بقدر ما يفرض على المنظومة التربوية مواكبة هذا التحول، وتزويد المتعلمين بأدوات معرفية وقيمية تجعلهم فاعلين واعين في الفضاء الرقمي، لا مجرد مستهلكين معرضين لمخاطر الأخبار الزائفة والتضليل.
فيما يلي نعرض عليكم فيديوهات حول الموضوع:
الأطفال والإنترنيت وصلة توعوية
فيديو بالدارجة حول العنف الإلكتروني على الإنترنيت
فيديو تحسيسي حول دور الإنترنيت اليوم
طريقة تبليغ حول أخبار زائفة على منصة cyberconfiance.ma
شرح كيفية الولوج إلى فضاء مغرب الثقة السيبرانية EMC
رابط الموارد الرقمية لمنصة cyberconfiance.ma
ملاحظة: يرجى مشاركة المقال مع المهتمين.(سيتم تزويدكم بتقرير حول الموضوع جاري العمل عليه).png)

تعليقات
إرسال تعليق
يمكنكم طرح سؤالكم وملاحظاتكم هنا،سنجيب عنها في أقرب وقت،شكرا