القائمة الرئيسية

الصفحات

السنة الأمازيغية الجديدة 2976''إيض يناير''مناسبة تاريخية وثقافية عريقة

       تُعدّ السنة الأمازيغية الجديدة، أو إيض يناير، مناسبة تاريخية وثقافية عريقة يحتفل بها الأمازيغ منذ قرون في بلدان شمال إفريقيا، وعلى رأسها المغرب، وفق تقويم فلاحي خاص ينطلق من سنة انتصار الملك الأمازيغي شيشناق سنة 950 قبل الميلاد تقريبًا. وتكتسي هذه المناسبة بعد ترسيمها في المغرب عيدًا وطنيًا وعطلة رسمية طابعًا هوياتيًا قويًا يعزز مكانة الأمازيغية كمكوّن أساسي من مكوّنات الهوية المغربية المتعددة.

تعريف السنة الأمازيغية

إيض يناير، مناسبة تاريخية وثقافية عريقة يحتفل بها الأمازيغ منذ قرون في بلدان شمال إفريقيا، وعلى رأسها المغرب


      السنة الأمازيغية تقويم شمسي فلاحي يُستعمل في منطقة شمال إفريقيا، ويُوافق عام 2976 أمازيغي سنة 2026 ميلادية بفارق 950 سنة تقريبًا عن التقويم الميلادي. يُعتبر شهر يناير الأمازيغي (ينّاير أو ناير) أول شهور هذا التقويم، ويرتبط ببداية الموسم الفلاحي وتنظيم مواسم الحرث والغرس والحصاد لدى الفلاحين الأمازيغ.

أصل الاحتفال وإيحاءات التسمية

     تربط إحدى الروايات التاريخية انطلاق التأريخ الأمازيغي بحدث انتصار الملك الأمازيغي شيشناق على الفرعون رميسيس الثاني أو الثالث، وجلوسه على عرش مصر وتأسيسه للأسرة الفرعونية الثانية والعشرين. تشير معاني التسمية “يناير” في بعض القراءات إلى جذور لغوية أمازيغية (ين – يور) أي “حديث القمر”، بينما يربطه آخرون بإله البوابات في الميثولوجيا الرومانية “يانوس”، في إحالة رمزية إلى باب الدخول إلى سنة جديدة.

موعد رأس السنة الأمازيغية 2976

      يُحتفل برأس السنة الأمازيغية في الفترة ما بين 12 و14 يناير من كل عام، ويختلف اليوم المحدد بين البلدان والمناطق، غير أنّ أغلب أمازيغ المغرب يحتفلون به ليلة 12 أو 13 يناير، فيما حدّدت احتفالات 2976 في بعض الدول ما بين 12 و14 يناير 2026. جرى في المغرب اعتماد هذا اليوم عطلة رسمية مؤدى عنها، حيث أصبح المغاربة يحتفلون برأس السنة الأمازيغية 2975 و2976 في إطار رسمي ووطني، على غرار فاتح محرم ورأس السنة الميلادية.

ترسيم رأس السنة الأمازيغية في المغرب

      أصدر الملك محمد السادس قرارًا تاريخيًا يقضي بإقرار رأس السنة الأمازيغية عيدًا وطنيًا وعطلة رسمية مؤدى عنها، في سياق تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية ودعم حضورها في الحياة العامة. اعتُبر هذا القرار خطوة قوية لترسيخ مبدأ الوحدة في التنوع وتعزيز الانتماء المشترك، كما لقي ترحيبًا واسعًا لدى الفاعلين الثقافيين والحقوقيين المهتمين بالقضية الأمازيغية في المغرب.

طقوس الاحتفال برأس السنة الأمازيغية

    تتميز احتفالات “إيض يناير” بطابع جماعي وعائلي واضح؛ إذ تجتمع الأسر حول مائدة عامرة بالأطباق التقليدية، وتحرص على إحياء صلة الرحم وتبادل التهاني والدعاء بسنة مليئة بالخير والبركة. تختلف أشكال الاحتفال بين المناطق، لكنها تشترك في تنظيم سهرات فنّية شعبية، ورقصات أحواش وأحيدوس، وأناشيد أمازيغية تراثية تُعبّر عن الفرح والتمسّك بالهوية واللغة الأمازيغية.

الأطباق والرموز الغذائية في يناير

الأطباق والرموز الغذائية في يناير




    تشغل الأطباق التقليدية مكانة محورية في هذه المناسبة؛ ففي مناطق واسعة من المغرب تُعد “تكلا” أو العصيدة بالأعشاب والزيوت، إلى جانب الكسكس بسبع خضروات، كرمز للتفاؤل بمحصول فلاحي وفير. تُزيَّن الأطباق أحيانًا بحبوب جافة ومكسّرات وبيض، ويُخفى في بعضها نواة تمر أو حبّة فول؛ ومن يجدها يُبشَّر بسنة جيدة مليئة بالرزق، في طقس رمزي مرتبط بثقافة التفاؤل والخير.

اللباس والأنشطة المدرسية والثقافية

     تحرص العديد من الأسر والمؤسسات التعليمية والجمعيات على تنظيم معارض للّباس التقليدي الأمازيغي، حيث يرتدي الأطفال والنساء القفاطين والجلابيب والفضيات الأمازيغية المزخرفة، ويتم توثيق ذلك في صور وفعاليات مدرسية كما في المنشور المعروض. تتضمن البرامج التربوية خلال هذه المناسبة ورشات رسم، وأناشيد أمازيغية، وعروضًا مسرحية وقراءات شعرية، إلى جانب أروقة لعرض الأكلات التقليدية ومنتجات الصناعة اليدوية التي تبرز غنى الثقافة الأمازيغية.m-m-rzy-tsnd-swd-lTls.jpg

البعد الفلاحي والبيئي للسنة الأمازيغيةالأطباق والرموز الغذائية في يناير

     

يرتبط التقويم الأمازيغي بالزمن الفلاحي؛ إذ يقسّم الفلاحون السنة إلى فترات حرث ومطر وحصاد، ويعتبرون حلول يناير إعلانًا عن مرحلة جديدة في الدورة الزراعية تستوجب الدعاء والاستعداد. تستمر بعض الطقوس الرمزية ذات الصلة بالطبيعة، مثل وضع جزء من الطعام عند عتبة البيت أو الخيمة تبرّكًا بالسنة الجديدة، والتخلّص من بعض الأدوات القديمة تعبيرًا عن طي صفحة الماضي واستقبال عام جديد.

الأمازيغية والهوية الوطنية

     ينظر كثير من الباحثين إلى رأس السنة الأمازيغية بوصفه مناسبة لإعادة قراءة التاريخ المشترك لشعوب شمال إفريقيا، والتأكيد على أن الأمازيغية مكوّن أصيل للهوية الوطنية، لا يتعارض مع العمق العربي الإسلامي للمنطقة. إحياء هذه المناسبة في المدارس والجماعات الترابية ووسائل الإعلام يساعد على ترسيخ قيم التعدد الثقافي واللغوي، ويُنمّي لدى الأجيال الجديدة الاعتزاز بالانتماء المشترك القائم على الوحدة في التنوع.

السنة الأمازيغية في أفق المدرسة المغربية

الأطباق والرموز الغذائية في يناير


     إدماج الاحتفال برأس السنة الأمازيغية في الحياة المدرسية، كما يظهر في الأنشطة المصورة في المنشور، يفتح أمام التلاميذ فضاءً للتعبير الفني والتربوي، ويحوّل الحدث إلى مناسبة للتعلم عبر اللعب والبحث والمشاهدة المباشرة للعادات والتقاليد. تشكّل هذه الفعاليات التعليمية فرصة لغرس قيم التسامح والانفتاح واحتراح الاختلاف، إلى جانب ترسيخ حضور اللغة الأمازيغية في الحياة اليومية للتلميذ من خلال الأناشيد، واللافتات المكتوبة بالحروف الأمازيغية تيفيناغ. 

    وبهذا المعنى، تصبح السنة الأمازيغية الجديدة أكثر من مجرد مناسبة احتفالية؛ فهي جسر يربط الماضي الفلاحي والحضاري بالحاضر المدرسي والاجتماعي، ويعبّر عن هويّة مغربية متجددة تستوعب كل روافدها في انسجام ووحدة.

تعليقات

التصفح السريع